التسامح

حول الصور النمطيّة، الأحكام المسبقة والعنصريّة

في أساس الحاجة إلى تنمية التسامح تكمن العمليّة المعرفيّة التلقائيّة لتصنيف من حولنا إلى فئات (Allport, 1954/1979). يميل الدماغ البشريّ إلى تصنيف الناس وفقًا لمجموعات الانتماء، انطلاقًا من الحاجة إلى تبسيط الواقع الاجتماعيّ. تُشكِّل هذه السيرورة أساسًا لفهم أنماط التفكير الاجتماعيّة، غير أنّها أيضًا الأرضيّة التي تنشأ عليها الصور النمطيّة والأحكام المسبقة.

الصور النمطيّة والأحكام المسبقة

أمّا الأحكام المسبقة فتستند إلى الصور النمطيّة وتضيف إليها مكوّنًا انفعاليًّا - سلبيًّا في الغالب - تجاه أعضاء المجموعة الأخرى (Vescio & Weaver, 2013).

تُعرَّف الصور النمطيّة بوصفها تمثيلات معرفيّة للطرق التي يُنظر بها إلى أعضاء مجموعةٍ معيّنة على أنّهم متشابهون بعضهم مع بعض ومختلفون اختلافًا جوهريًّا عن أعضاء مجموعات أخرى - أيْ أنّها تفترض التجانس داخل المجموعة وفروقًا جوهريّة بينها وبين سواها.

من التمييز الظاهر إلى العنصريّة الخفيّة

ومع ذلك، فإنّ التمييز الذي مصدره العنصريّة الخفيّة لا يزال حاضرًا حضورًا قويًّا حتّى اليوم في حيّزاتٍ ومؤسّساتٍ كثيرة، من بينها المؤسّسات الأكاديميّة (Jochman et al., 2019; Manejwala & Abu-Ras, 2019; Mathies et al., 2019).

قد تؤدّي الأحكام المسبقة والصور النمطيّة إلى سلوكٍ تمييزيّ، ظاهرٍ أو خفيّ.

في أيّامنا، باتَ التمييز الظاهر - أيْ كلّ قولٍ أو فعلٍ يميّز شخصًا تمييزًا مباشرًا بسبب انتمائه الفئويّ - غير قانونيّ، بل أصبح أقلّ قبولًا اجتماعيًّا ممّا كان عليه في الماضي (Swim et al., 1995; cf. Basford et al., 2014).

العدوانيّات الدقيقة وتأثيرها على تجربة الفرد

على غرار سائر مكوّنات الاحتواء في النموذج وأهمّيّتها، ترتبط حالات عدم التسامح والتمييز والعنصريّة والعدوانيّات الدقيقة في الحيّز الأكاديميّ بأضرارٍ صحّيّةٍ وانفعاليّةٍ، وبتراجعٍ في التحصيل الدراسيّ وارتفاعٍ في معدّلات التسرّب (Misawa, 2010; Wolff & Himes, 2010).

إنّ التصوّرات القائمة على الصور النمطيّة والأحكام المسبقة - كالشوفينيّة أو العنصريّة أو التمييز على أساس السنّ - قد تقود إلى سلوكيّاتٍ مؤذيةٍ وتمييزيّةٍ حتّى من جانب من يرَون أنفسهم ليبراليّين متسامحين غير منحازين.

فمثلًا، قد تكشف مجاملةٌ تُوجَّه إلى طالبٍ من مجموعة أقلّيّة بشأن "حدّة تفكيره" عن توقّعٍ مسبقٍ متدنّ منه بسبب انتمائه إلى تلك المجموعة، وقد تحمل ملاحظةٌ ساخرةٌ تُقال في الصفّ طابعًا مهينًا وموقفًا مؤذيًا تجاه مجموعةٍ بأكملها.

تُعرَف هذه الظواهر بـ "العدوانيّات الدقيقة" - إهاناتٌ يوميّةٌ صغيرةٌ يختبرها أعضاء المجموعات المتنوّعة في تفاعلاتهم الاعتياديّة (Sue et al., 2007).

الإنصاف

الإنصاف كقيمة مؤسّسيّة

يُعدّ الإنصاف مبدأً أساسيًّا في الأوساط الأكاديميّة وهدفًا ذا أهمّيّة قصوى، باعتباره أحد الوسائل لتحقيق التميّز الأكاديميّ ومواجهة التحدّيات الاجتماعيّة والثقافيّة لصالح تعزيز التنوّع والمساواة والشراكة.

السياسة المؤسّسيّة والرسالة الأخلاقيّة

عبر تذويت سياسة تدعم الإنصاف، تستطيع المؤسّسة الأكاديميّة أن تنقل رسالة مفادها أنّ عدم المساواة وانعدام الإنصاف - حتّى لو كانا سائدَين في الماضي أو لا يزالان قائمَين في حيّزات مختلفة في المجتمع - ليسا جزءًا من النسيج القيميّ الذي تسعى إلى تمثيله وتعزيزه (Tankard & Paluck, 2016).

للسياسة المؤسّسيّة وللممارسات المعتمدة في الحرم الجامعيّ أهمّيّة بالغة، إذ إنّها تنقل إلى جميع الطالبات والطلّاب الدارسين في المؤسّسة، وإلى ما هو أبعد منها، رسالة بشأن المعايير اللائقة والسليمة والمقبولة في هذه السياقات.

تأثيرات التنوّع

من بين ما وُجد، أنّ التعلّم في صفٍ متنوّعٍ والتفاعل الإيجابيّ المتواصل مع زميلات وزملاءٍ من مجموعات سكّانيّة أخرى، يرتبطان بزيادة قدرة الفرد على رؤية العالم وتفسيره من وجهة نظر الآخر (perspective taking)، وبالانخراط المدنيّ (Gurin et. al., 2002). تُشكِّل هاتان القدرتان - النظر من منظور الآخر والانخراط الاجتماعيّ-المدنيّ - أساسًا لتعزيز الحسّاسيّة لعدم المساواة، ولبناء مجتمعٍ محتوٍ ومشترك.

من بين الفوائد العديدة للتنوّع والاحتواء في حيّز مشترك، ثمّة انعكاساتٌ إيجابيّةٌ عميقةٌ وطويلة المدى وُثِّقت في الأبحاث، تتعلّق بالقدرات والمهارات الاجتماعيّة للطالبات والطلّاب الذين درسوا في صفوفٍ متنوّعةٍ جرى فيها تفاعلٌ إيجابيٌّ ومتواصلٌ بين عضوات وأعضاء مجموعات اجتماعيّة مختلفة.

الانتماء

الشعور بالانتماء

الانتماء هو أحد أكثر الاحتياجات الإنسانية الأساسيّة والعميقة. إنّ تجربة الانتماء تؤثّر على الشعور بقيمة الذات، التواصل بين الناس من مختلف المجموعات، الدافع، المثابرة والنجاح الأكاديميّ.

الحاجة إلى الانتماء

في الوقت نفسه، تعد عضويّة المجموعة عنصرًا مهمًّا في مفهوم الذات للفرد ومصدرًا لتقدير الذات الإيجابيّ (Tajfel and Turner, 1978, 1979; Harris and Cameron, 2005).

إنّ حاجة الأفراد إلى الانتماء إلى مجموعة والشعور بالقبول والتقدير من قبل أعضائها هي حاجة أساسيّة ومهمّة لجميع البشر (Tajfel & Turner, 1978, 1979; Baumeister & Leary, 1995).

تُلبّى هذه الحاجة عندما يحافظ الفرد على تفاعلات إيجابيّة وذات مغزى مع أعضاء المجموعة بمرور الوقت، وبالتالي يشعر بالارتباط والانتماء إليها.

الانتماء في الحيّز الأكاديميّ

بالنسبة للطلّاب وأعضاء هيئة التدريس من مختلف الفئات، فإنّ إمكانيّة الشعور بالانتماء والهويّة أكثر تعقيدًا. يتأثّر ذلك بتجربة الانتماء الأساسيّ إلى المجموعة الرئيسيّة التي ينتمون إليها، وبتجربة الانتماء إلى مجموعة أقلّيّة مقابل مجموعة الأغلبيّة في الحيّز الأكاديميّ.

صحيح أنّ طلّابًا من مجموعات الأقلّيّة معرّضون لتجربة انتمائهم كمفتوح ومشكوك فيه، وترتبط هذه التجربة بانخفاض التحصيل الدراسي وارتفاع معدّلات التسرّب (Stayorn، 2018).

بناءً على ذلك، فقد تبيّن أن التدخّلات النفسيّة والاجتماعيّة التي ركّزت على زيادة الشعور بالانتماء بين الطلّاب من الأقلّيّات، قلّصت فجوات التحصيل الأكاديميّ (Spitzer and Aronson, 2015) وبالتالي أسهمت في تعظيم إمكانات التعليم العالي بين الطلّاب من مختلف الفئات السكّانيّة.

يرتبط عنصر الانتماء (belonging) بشعور الفرد بالانتماء إلى الهويّة الجماعيّة للمؤسّسة أو وحدة الدراسة وقيمها، وبعلاقاته الشخصيّة مع الأفراد الآخرين - الطلّاب والهيئتين الأكاديميّة والإداريّة - وبأهمّيّة كلّ هذه الأمور في تصوّره لذاته.

تؤثّر سياسات المؤسّسة والعلاقات التي تتطوّر بين مختلف المجموعات في الحرم الجامعيّ بشكل مباشر على شعور أعضاء المجتمع الأكاديميّ بالانتماء أو الاغتراب.

عندما لا تتمّ تلبية الحاجة إلى الانتماء، أو تتمّ تلبيتها جزئيًّا فقط، يبحث الفرد باستمرار عن أدلّة من البيئة من شأنها أن تؤكّد أو تنفي مشاعره تجاه انتمائه. قد يؤدّي هذا الانشغال المستمرّ إلى إضعاف الأداء المعرفيّ والعاطفيّ (Scorgie and Forlin, 2019) ويؤثّر سلبًا على الصحّة البدنية والعقليّة للفرد (Walton and Cohen, 2007; 2011).

الصوت

إسماع الصوت

إنّ القدرة على إبداء الصوت - أن يُسمَع، وأن يكون جزءًا من نقاشٍ، وأن يؤثّر - شرطٌ أساسيٌّ للشراكة في الحيّز الأكاديميّ والاجتماعيّ.

عندما تُسمِع الفئات المختلفة في الحرم الجامعيّ صوتها، يحدث تعلُّمٌ متبادَلٌ يُعزّز التفاهم والمساواة والاحتواء.

عن التميّز وإسماع الصوت

إنّ القدرة على التعبير وعلى إتاحة جوانبَ مختلفةٍ من الهويّة الفريدة بأن تظهر إلى الخارج تتأثّر بمدى أمان الفرد ورحابته في الحيّز، وهذا بدوره يتأثّر بتصوّر المعايير وبالرسائل التي يتلقّاها الفرد ويستوعبها (Luijters et. al., 2008). وهي مرتبطة أيضًا بالعلاقات بين مجموعة الأقلّيّة ومجموعة الأغلبيّة، وبالمعايير السائدة في المؤسّسة الأكاديميّة إزاء الفئات المختلفة.

إنّ الإحساس بالتميّز حاجةٌ إنسانيّةٌ كونيّة (Snyder & Fromkin, 1980; Schumpe & Erb, 2015; Jensen, et. al., 2014)، تُلبَّى أيضًا عبر التعبير الأصيل عن الهويّة الفريدة من خلال إسماع الصوت وإبداء موقف، حتّى وإن كان مختلفًا عن مواقف الآخرين.

تهديد الصورة النمطيّة

تُشير الأبحاث إلى أنّ الانشغال بالخوف الناجم عن تهديد الصورة النمطيّة يستهلك مواردَ معرفيّةً ضخمة، ويؤثّر سلبًا على التحصيل الدراسيّ وعلى الاندماج الاجتماعيّ (Steele et. al., 2002; Casad and Bryant, 2016).

والعكس صحيح أيضًا، أيْ إنّ إمكانيّة إسماع الصوت والتعبير عن الاحتياجات وُجدت بوصفها مُمكِّنةً للطلّاب والطالبات من مجموعات التنوّع، الذين يميلون - في الغالب - إلى التقليل من الكشف عن صعوباتهم (Heng, 2017).

كجزءٍ من إدارة الهويّة، قد يكون الأفراد المنتمون إلى مجموعات التنوّع عُرضةً لـ "تهديد الصورة النمطيّة" (Steele et. al., 2002) ( al., 2002 الخوف من تأكيد صورٍ نمطيّةٍ سلبيّةٍ تجاه مجموعة انتمائهم (Block et. al., 2011).

 بسبب تهديد الصورة النمطيّة، قد تخشى الطالبات والطلّاب المنتمون إلى فئات التنوّع أنّهم في كلامهم سيؤكّدون التصوّرات النمطيّة المنسوبة إلى أعضاء مجموعتهم، فيختارون أحيانًا الإحجام عن إسماع صوتهم.